2054208194886930964305459023536687124329124620425345324432245227212526005525430010231005910972575227800005423858567245242500231905922702611555

6/03/2017

القيد


قصة : مصطفى الحاج حسين .

من نافذة اختناقها تطلّ على الزّقاق الضّيق ، بشغفٍ جنوني ، تتلقفُ تلهفه ، قلبها

الغضّ يخفقُ بصخبٍ ، ولعينيهِ المتوسّلتينِ 

تطيّر إبتسامة من دمعٍ . لكنّ وجه ابن عمّها

المقيت ، يبرز فجأة أمام غبطتها ، فتجفلُ 

وتصفعها حقيقة خطبته لها ، ترمق خاتمها

الذي يشنق أحلامها بإزدراء ، ترتدُّ نحو انكسارها ، تغيب مخلّفة وراء النّافذة حسرة

في قلب " فتى النّافذة " .

بعد توسّلات مذبوحة ، وإلحاح مستميت،

تشفق الأم على كآبة ابنتها ، فتفرج عن جناحيها لبعض الوقت .

يبرق قلبها من الفرحة ، يذوب جليد الرّوح ، وتسري في الأوردة مراكب الأماني

البيض ... 

سيلتقيان .. وتتشابك الأصابع بارتعاشها ، تحتفي بخطواتهما الأرض ، تحتضن الدّروب

فراشات بوحهما ، والغيوم البيضاء تطال جنون القبلات .

أشهر مضت على إعلان حتفها ، قابعة خلف كثبان أحلامها مع خاتمها اللعين ، تراقب باختناق حاد تحرّكات " فتى النّافذة"

القلقة .

- أتريدين شيئاً من أمّ زينب ؟ .

تردّ أمّها المنهمكة بترتيب قبرها الأثير :

- بلّغيها السّلام .. لكن إياك والتأخر .

* * *

تندفع نحو الباب ، كسحابةِ شوقٍ ، ترقصُ

خلجاتها على إيقاعِ الانعتاق ، تسبقها عصافير التّوق متقافزة فوق أحجار الطريق

المرصوفة .

ومن بعيدٍ تلمحُ فتاها يتتبّعها ، فيشتعلُ

الصّهيلُ في نبضها ، يرفرفُ دم اشراقها ، جناحاها يغرّدان ، وهي تقاومُ رغبةً في الالتفات :

- (( مجنونة ماذا لو افتضح أمركِ ؟؟ .. ستذبحينَ كعمّتكِ ... ارجعي .. ارجعي . )).

تنأى بارتباكٍ شديدٍ عن الحارة ، تتغلغلُ

في أزقّةٍ متطرّفة ، الخوف يثقل قدميها ، أنفاسها تزعق برعبٍ :

- (( ارجعي .. ارجعي .. قد يصادفكما ابن

عمّكِ .)) .

تتباطأ حائرة ، وبعيونٍ متلصّصة تمسحُ

المكان من حولها ، تلتفتُ ، تتمهّلُ ، لتقصّر المسافة بينهما .

* * *

يتصاعد الخوف مشوباً بالحذرِ في قلبهِ،

ينبتُ لهما أنياب شرسة ، مدركاً خطورة المغامرة ، يمسكُ خطاهُ عنها :

- (( لن أقامر بها وبي ، لن أشاطرها جنونها ..

ماذا لو طاوعتها ؟!؟! .. سيقول أبي :

- فضحتنا ياكلب ، جلبت لنا الدّمار ، ولأهلها العار ، ثمّ هل تجدنا قادرينَ على مجابهةِ عائلة " الرّهوان" ؟!.. سيقتلونكَ ، ونحنُ لن نموت من أجلكَ . )) .

* * *

بجوارحٍ مشرئبةٍ متيقّظةٍ لوصولهِ ، تتخيّلُ ما سيدورُ بينهما من حوارٍ :

- مرحباً .

- أهلاً .

متحرّراً من تلعثمهِ ، حاثّاً خطاه بمحاذاتها :

- كيفَ الأحوال ؟.

وبنزقٍ تضعُ حدّاً لمقدّماتهِ :

- " وليد " يجبُ أن نجدَ حلّاً .

* * *

أفاقت من شرودها على تأخرهِ ، شارفت

على تخومِ البلدة ، بجرأةٍ تستدير، فتصطدمُ

بخيبةٍ متوحّشةٍ ، تنقضُّ على جناحيها الأبيضينِ ، حينَ لا تبصر أحداً يتعقّبها .

ينتحرُ بريق عينيها ، أغصان بهجتها تتقصّف ، يجفُّ نسغ الانعتاق ، وتتهشّمُ مرايا

السّماء، فوق قفار روحها ، بينما تجأر أعماقها

النّازفة :

- آهٍ .. " وليد " لماذا الفرار ؟!؟!.

* * *

في زقاقٍ متهدّم تلمح الشّمس الآفلة 

" فتى النّافذة " لاهثاً بانهزامه ، بجرُّ غصّته

بمشقّةٍ ، وفي وجدانهِ الجّريح تتعاركُ الأسئلة:

- سامحيني " ياأنيسة " .. لن ألحق بكِ العار.

أهل بلدتنا لا يعرفون الرّحمة ، ليتنا " يا أنيسة " ولدنا على كوكبٍ آخر .

* * *

مضرّجةً بخيبتها تعرجُ على قبرِ " زينب"

، كاتمة أسرارها ، تحملقُ الصّديقة في أخاديدِ الدّمعِ ، تشهقُ بالسؤالِ :

- هل التقيتما ؟!

تندُّ عن أوجاعها صرخة مسكونة بالموت :

- انهزم .

تتكوّر الصبيّتان المنكسرتا الأجنحة ،

تبكيان أحلامهما بضراوةٍ ، ذليلة تنكفئ الشّمس ، وبفظاظةٍ ينبثقُ ليلٌ من عويلٍ أسود ، يسربلُ حلمَ المدينة .





Views:
التعليقات
0 التعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ سحر الحياة 2016
تصميم : أر كودر I تعديل: حنين